الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
27
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لم يفعل ذلك لكان ظلاما للناس . ولقد نقل عن الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة أنه قال : " وأيم الله ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها لأن الله ليس بظلام للعبيد " . إن هذه الآية تعد من الآيات التي تفند - من جهة - مقولة الجبريين ، و - تعمم - من جهة أخرى - أصل - العدالة وتسحبه على كل الأفعال الإلهية ، فتكون جميعا مطابقة للعدالة . وتوضيح ذلك : إن الآية الحاضرة تصرح بأن كل جزاء - من ثواب أو عقاب - ينال الناس من جانب الله سبحانه فإنما هو جزاء أعمالهم التي ارتكبوها بمحض إرادتهم واختيارهم ذلك بما قدمت أيديكم . وتصرح من جانب آخر بأن الله ليس بظلام للعبيد وإن قانونه في الجزاء يدور على محور العدل المطلق ، وهذا هو نفس ما تعتقد به العدلية ( وهم القائلون بالعدل الإلهي ، وهم الشيعة وطائفة من أهل السنة المسمون بالمعتزلة ) . غير أن هناك في الطرف الآخر جماعة من أهل السنة " وهم الذين يسمون بالأشاعرة " لهم اعتقاد غريب في هذا المجال فهم يقولون : إنه تعالى هو المالك في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا ، ولو أدخلهم النار لم يكن جورا . . . فلا يتصور منه ظلم ، ولا ينسب إليه جور ( 1 ) . والآية الحاضرة تفند هذا النوع من الآراء والمقالات تفنيدا باتا ومطلقا وتقول بصراحة لا غبش فيها ولا غموض : ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله
--> 1 - الملل والنحل للشهرستاني ، طبعة بيروت ، ج 1 ، ص 101 ، تحقيق محمد سيد كيلاني .